ابن العربي

905

أحكام القرآن

المسألة الثالثة - ليس يريد بقوله : حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ مجرّد الإصغاء ، فيحصل العلم له بظاهر القول ؛ وإنما أراد به فهم المقصود من دلالته على النبوة ، وفهم المقصود به من التكليف ، ولم يكن يخفى على العرب وجه الإعجاز فيه ، وطريق الدلالة على النبوة لكونه خارجا عن أساليب فصاحة العرب في النظم والنثر ، والخطب والأراجيز ، والسجع والأمثال ، وأنواع فصل الخطاب ؛ فإن خلق اللّه له العلم بذلك ، والقبول له صار من جملة المسلمين ؛ فإن صدّ بالطبع ، ومنع بالختم ، وحق عليه بالكفر القول ردّ إلى مأمنه . المسألة الرابعة - قوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ : نفى اللّه عنهم العلم ؛ لنفى فائدته من الاعتبار والاستبصار ، وقد ينتفى الشيء بانتفاء فائدته ؛ إذ الشيء إنما يراد لمقصوده ، فإذا عدم المقصود فكأنه لم يوجد ؛ فأمر اللّه بالرّفق بهم ، والإمهال لهم ، حتى يقع الاعتبار أن منّ اللّه بالهدى والاستبصار . الآية السابعة - قوله تعالى « 1 » : وَإِنْ نَكَثُوا « 2 » أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ، إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ . فيها مسألتان : المسألة الأولى - قوله تعالى : وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ دليل على أنّ الطاعن في الدين كافر ، وهو الذي ينسب إليه ما لا يليق به ، أو يعترض بالاستخفاف على ما هو من الدين ، لما ثبت من الدليل القطعىّ على صحة أصوله واستقامة فروعه المسألة الثانية - إذا طعن الذمّى في الدين انتقض عهده لقوله : وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ . . . إلى : فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ؛ فأمر اللّه بقتلهم وقتالهم إذا طعنوا في دينكم . فإن قيل : إنما أمرنا بقتالهم بشرطين : أحدهما - نكثهم للعهد . والثاني - طعنهم في الدين .

--> ( 1 ) الآية الثانية عشرة . ( 2 ) النكث : النقض